كيف يمكن الحفاظ على عراق موحد وفعال في ظل النظام الفيدرالي ؟       قيادة المجلس الاعلى الاسلامي ماهي الرسالة التي حملتها الى طهران ؟       مهنئا بالنصر الكبير .. همام حمودي : النصر استحقاق تأريخي سنربي اجيالنا عليه ، و" الفخر " بات عنوان كل عراقي       قيادي يرد على المدار…ايران لم تستبعد الحكيم ولم تقاطع الحكمة       طهران تستبعد تيار الحكمة وتستدعي خليفة الحكيم؟       العبادي يعلن «انتهاء الحرب» ضد داعش في العراق       ماذا يستهدف المجلس الاعلى في حقبته الجديدة ؟       قراءة في ثنايا حديث الامام الخامنئي لقيادة المجلس الاعلى الاسلامي العراقي       قيادة المجلس الأعلى الأسلامي العراقي تلتقي سماحة الأمام الخامنئي       همام حمودي : قرار ترامب بشأن القدس يعد تحديا واضحا للأمم المتحدة وتجاوزا خطيرا للأمة العربية والإسلامية       
 
المجلس الاعلى الاسلامي العراقي .. قراءة ناقدة .. عبد الجبار كريم - ٥ -

المجلس الاعلى واشكالية التعامل مع حزب الدعوة 

كان حزب الدعوة ولازال يمثل اشكالية بالنسبة للمجلس الاعلى في كيفية التعامل والتعاطي معه ، فهو الى جانب تبنيه استراتيجيات خاطئة على طول الخط  كان يتصرف ويتعامل بروح الحزب القائد ، وان شهيد المحراب ( رض ) عنما قدم الى ايران ولمعرفة الدعاة بوزنه وقوته ، فقد عمدوا الى  تنظيم اكبر تظاهرة استقبال له من قبل العراقيين في ايران، حيث استقدموا كل عناصرهم وخصصوا سيارات كبيرة لنقل العراقيين وحضورهم في تظاهرة الاستقبال لسماحة اية الله الشهيد محمد باقر الحكيم ( قده ) كل ذلك لاحتواء السيد وضمه اليهم ، وبعد برهة وجيزة من التعاون مع شهيد المحراب ( رض ) تم سحب جميع كوادرهم من العاملين في مؤسسات شهيد المحراب بعد ان  وجدوا  ان سماحته قد جاء بنظرية وطريقة جديدة للعمل تختلف عن العمل الحزبي ونظرية المرحلية التي بانت عقمها وعدم تناسبها مع تطورات الساحة العراقية .

ولان  شهيد المحراب كان الاقرب الى قيادة الامام الخميني ( قده ) ولما يمثله من وزن في الوسط العلمائي ، تمكن  من تاسيس المجلس الاعلى   بمعية  الدعوة والحركات الاخرى ، ولكن سرعان ماانسحب الدعاة من المجلس لشعورهم بانهم سيكونوا تحت عباءة المجلس بدلا من ان يكون المجلس الاعلى تحت عباءة حزب الدعوة انطلاقا من الروحية التي تتملكهم بانهم الحزب القائد واول حزب اسلامي شيعي يتاسس من داخل الحوزة العلمية  .

المهم ان حزب الدعوة  بقي على الهامش طيلة سني المعارضة باختياره ، ويتبنى سلسلة اخطاء سواء في نظرية المرحلية كما قلنا ، او في طريقة فهمه للانتفاضة الشعبانية ، او تعاطيه مع مسالة الحصار الاقتصادي والمشروع السياسي ، ومن بعد سقوط النظام الصدامي استفاد الحزب من عراقته ونظرة الشارع الايجابية له وبتحالفه مع المجلس استطاع ان يتولى السلطة التنفيذية سواء في عهد الدكتور ابراهيم الجعفري او السيد نوري المالكي ، ولم يتوان الحزب عن استغلال المجلس كلما وجد مجالا للاستغلال ودفعه للتنازل عن بعض استحقاقاته وتبني مايرتايه  حزب الدعوة او بالاحرى الجناح الحاكم من اجل تثبيت وجوده في اعلى السلطة ، عبر ايجاد وضع تكون فيه الخيارات احلاها مر ، دون ان يجعل هناك مجالا لتداول السلطة حتى من داخل الوسط الشيعي العراقي .

السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال هو كيف ينبغي التعامل مع المالكي حتى وهو يمارس السلطة بنزعته الاستحواذية وكأن لاوجود للاخرين معه ، حيث يطرح البعض اهمية وجود الشيعة على راس السلطة باي شكل كان حتى ولو كان بمظهره الاستبدادي ؟

الجواب على مثل هذا التساؤل هو ضرورة اعادة العملية السياسية الى توازنها المطلوب والى مسارها المفترض ، والا فان العملية ستكون مهددة في وجودها وبالتالي فرصة وجود الشيعة على راس السلطة ، وان محاولات المالكي بتثبيت وضعه عبر البوابة الايرانية ولما تمتلكه الجمهورية الاسلامية الايرانية من نفوذ وكلمة مسموعة في الوسط العراقي وتحديدا المجلس الاعلى والتيار الصدري والقوى الكردستانية انما هي محاولة يمكن ان تنجح وتعطي ديمومة لحكومة المالكي لحين انتهاء دورتها ، ولكن من المؤكد سوف تواجه هذه الستراتيجية فشلا في الانتخابات القادمة ، ومن الضروري ان ينأى المجلس الاعلى عن أي تحالف انتخابي مع حزب الدعوة ، اما بعد الانتخابات فلكل حادث حديث .

الطاولة المستديرة هل هي قادرة على حل مشكلات العراق المستعصية ؟

لعل  البعض يتساءل عن اهمية  وفحوى ( الطاولة المستديرة ) سياسيا ، والدواعي التي تجعل الجانب الاميركي يدعو الرئيس جلال الطالباني الى عقد اجتماع الطاولة المستديرة لحل المشكلات العالقة بين الفرقاء السياسيين وذلك في اعقاب التطورات الاخيرة التي جرت في العراق ، وهل ان عقد هكذا اجتماع كفيل بازالة المشاكل المستمرة منذ انطلاق العملية السياسية ام ستكون بمثابة مسكنات مؤقتة للمرض المزمن الذي تعاني منه العملية الديمقراطية برمتها ؟  

فكرة ( الطاولة المستديرة ) تعد اليوم من متطلبات النموذج المتبنى للنظام السياسي في العراق ، حيث الديمقراطية التوافقية التي من أولى مستلزماتها اشراك الجميع في العملية السياسية ، وان يكون الجميع رابحون في  هذه العملية بدون غبن للحقوق ، خاصة وان الدستور العراقي مصاغ بشكل يكرس  ضرورة التوازن بين الحكومة  المركزية والاقاليم ، كما وان النظام الانتخابي هو ايضا مصاغ بشكل لايفسح المجال لاي طرف ان يفوز بالغالبية العظمى ، وان ينفرد بادارة دفة نظام الحكم دون اشراك الاخرين وبنفس الدرجة التي يرى المنتصر نفسه فيها ، دون تهميش أي طرف في العملية السياسية مهما بدت  صغيرة في تمثيل الشعب داخل البرلمان او  الحكومة ، ولمعرفة حقيقة هذا الامر ، ومتطلبات الديمقراطية التوافقية التي تبدو انها قدر العراق بشكل وبآخر ، حتى ولو تم الانتصار لصالح الحكومة المركزية ، واستطاعت هذه الحكومة ان تفرض نموذجها الخاص ، وتتحرر بعض الشيء من اسر وقيود الديمقراطية التوافقية ، وهذا ما يدفعنا الى معرفة سمات هذه الديمقراطية ومتطلباتها كي لا يتصور البعض ان باستطاعته ان يغرد خارج السرب ، وان ينفرد أي طرف بالعملية السياسية ويفرض توجهاته الخاصة في نمط ادارة الدولة والياتها بعيدا عن الاطر اف المشاركة الاخرى .

التوافقية حل ام تعقيد لازمة نظام الحكم ؟

اذا كانت ( الديمقراطية أسوأ انواع الحكومات ) كما يصفها رئيس الوزراء البريطاني ابان الحرب العالمية الثانية ونستون تشرشل ، فمما لاشك فيه ان الديمقراطية التوافقية تحمل في طياتها كل سلبيات الديمقراطية ، خاصة عندما يراد استنباتها في تربة لاتزال القبلية تحظى بحضور واسع فيها، وتتبنى المشروع قوى حديثة العهد في الممارسات السياسية المهنية ، وكيانات سياسية عاجزة عن استيعاب لغة الحلول الوسطى ، او لعب مباراة غير صفرية في داخلها ، خاصة اذا رافقتها نسبة عالية من الامية ، وعدم وجود انماط وعي مجتمعية تساهم في تدعيم قواعد المشروع الديمقراطي
ويزيد الطين بلة اذا كان المحيط الاقليمي يكرس صراعاته في داخل البلد الذي ينشد تجربة ديمقراطية واعدة ، واكثر من ذلك اذا كان راعي العملية الديمقراطية يضع المعايير التي يناسبه في تحقيق التقدم المنشود على صعيد توفير اليات الديمقراطية ، والبدء بالمشروع الديمقراطي ذات الطريق الطويل الذي لايتكرس باسقاط نظام واجراء عدة انتخابات وحسب ، وانما يحتاج الى زمن ليس بالقصير لتجذيره في الارض الجديدة ، ومن ثم جني ثماره .
ولعل التجربة اللبنانية خير شاهد على عمق المأساة التي تحملها الديمقراطية التوافقية او التنافسية ، رغم ان الكثير من اللبنانيين لايزالون يرفضون تسمية ديمقراطية بلادهم بهذه الاسماء ، مع ان الاعراف السياسية هي التي تتحكم بمعادلة السلطة وكيفية توزيع المواقع السيادية والسلطات الرئيسية في البلاد ، الامر الذي يمكن ان يتكرر في العراق ان لم يكن هناك وعيا متوازنا لكيفية بناء الديمقراطية العراقية بالشكل الذي يجنب العراق ماسيه التي طالت وبلغت الافاق ، ولاريب ان العراق ليس بوسعه بناء الانموذج الذي يتطلع اليه الا من خلال توفر العناصر الضرورية لذلك ،رغم ان نوعا من التوافقية ستكون جزء لايتجزاْ من المشروع المراد تشيده في ارض لاتزال رخوة لاتحتمل البناءات الكبيرة ، كما وانها اعتادت على الولادات القيصرية .

بعض سمات وسلبيات الديمقراطية التوافقية

تطلق تسميات عديدة على الديمقراطية غير العددية بالنسبة للديمقراطيات التي تنشأ في ظل انقسامات اثنية وطائفية وقومية ولغوية .. الخ فتسمى احيانا بالديمقراطية النسبية كما في تجارب غربية او توافقية او تنافسية بالنسبة للتجارب الاخرى كالبوسنة ولبنان وتجري محاولات من اجل تكريسها في الواقع العراقي رغم وجود محاولات بتجنب الوقوع في اسر الديمقراطية التوافقية ومتطلباتها التي ليس من السهل توفيرها لاسباب اشرنا الى بعضها، وفيما يلي بعض ملامح الديمقراطية التوافقية وسلبياتها :

فيما يسميها البعض بالتوافقية نجد اخرون يسمونها بالديمقراطية التنافسية ، بحجة انها لوكانت توافقية فهي من اجل تنظيم العداوات وليس الصداقات، ولما اقترح بعض نماذجها مؤسسات للرقابة وفرق للتفتيش وتشكيل لجان مشتركة مبنية على التنافس السلبي  . 

 التوافق ليس من اجل الغاء العداوات ، وانما من اجل تطويرها اكثر على طريق تحقيق التوازنات المطلوبة ، واستملاك حق النقض المتبادل ، والذي يعني ابقاء المجتمع مهددا في استقراره باستمرار تحت يافطة التوافق النكد.

غالبا ماتتصارع القوى المحلية والخارجية على ارض التجربة التوافقية ، وينتظر من الاخرين او من لاحول لهم ولاناقة لهم ولاجمل بحل اشكالاتها ، خاصة وانها تتميز بصعوبة التركيب وسهولة التفكيك ، وان معظم عناصر تشكيلها تاتي من الخارج .

 التوافقية هي وليدة ظروف معينة ، وكلما كان المجتمع الذي ياْخذ بتجريب هذا النموذج من الديمقراطية اكثر انقساما على نفسه يكون وصوله الى الاستقرار المنشود اصعب وابعد منالا ، وتلعب قاعدة التسوية والتنازلات المتبادلة ، والتفاوض وتكريس مفهوم لاغالب ولا مغلوب في النزاعات المسلحة دورا كبيرا في تكريس الواقعية والعقلانية في الممارسة السياسية .

 عندما تتعقد عملية صنع القرار في الديمقراطية التوافقية او التنافسية سمها ماشئت تتعقد معها اشياء كثيرة قد تصل الى امور بسيطة في الحياة العامة ، كما ان ازمات الحكم قد تتحول الى ازمات نظام ، و اللجوء الى التهديد بتعطيل العملية الدستورية برمتها .

  رؤية المجلس الاعلى للعملية السياسية والمبادئ الاساسية لبناء العراق الجديد  

لايخفى على الكثير الرؤية العامة للمجلس الاعلى الاسلامي العراقي للعملية السياسية برمتها بما فيها مسالة المصالحة ، حيث ركز على عدة مبادئ في هذا المضمار كانت تمثل الفضاء الفكري والمتبنى العقائدي الدائم لكيان المجلس وسياساته المتبناة :

1 /  الحوار  كمبدأ حضاري وكمقياس على الرقي الحضاري يصلح بل ومن الضروري ان يكون الحوار هو قاعدة التفاهم  في كل القضايا الخلافية ، وبدون تكريس مبدا الحوار نكون بعيدين جدا عن الاهداف الحقيقية وعن المسار الذي ينبغي تجذيره في التربة العراقية .

2 / حمل هم الاخرين  الى جانب حمل هموم الطائفة ، فهو آل على نفسه الدفاع عن حقوق السنة مثلما يدافع عن حقوق الشيعة وعن حقوق الكورد مثل دفاعه عن حقوق العرب وهكذا بالنسبة لجميع مكونات واطياف الشعب العراقي  .

3 / الطاولة المستديرة كحل دائم لكل الاشكاليات التي تنتاب العملية السياسية ، ذلك لان الطاولة المستديرة تعني التعامل مع الجميع سواسية بدون درجات او طبقات ، وهذه الطريقة كفيلة بتوفير الثقة وتهيئة اجواءها اللازمة .

4 / مبدأ احترام الدستور والالتزام به مهما كانت الملاحظات عليها ذلك لانه يمثل مرجعية من الضروري الارتكاز عليها لتنظيم وحل الاشكاليات الكثبرة ، وبدون هذه المرجعية يعني الفوضى بعينها وفسح المجال امام الاجتهادات الشخصية لتأخذ طريقها .

5 / التعامل بروح ابوية مسؤولة ازاء مختلف القضايا وتبني دور الخيمة للجميع ، بالرغم من ان هذا الدور فرض عليه في مرات عدة التنازل عن بعض استحقاقاته لتسهيل معالجة الملفات المعقدة .

6 / تكريس مبدأ الشراكة الحقيقية في العملية السياسية وفي ادارة الدولة وتشكيل الحكومة ، وليس مجرد المشاركة الشكلية التي تشعر الاطراف المعنية بانها مجرد حضور شكلي ولكن دون مسؤوليات حقيقية تعزز ثقة جميع اطراف الشراكة 

باهمية دورها وحضورها وان كانت اقلية او باية نسبة كانت من نسب استحقاقها الانتخابي والوطني .

7 / تجذير مفهوم المواطنة في بناء العراق الجديد بالشكل الذي يشعر الجميع انهم محترمون ومراعى حقوقهم وواجباتهم رغم تباين انتماءاتهم وتوجهاتهم ، ويساهم الجميع في بناء التجربة العراقية المعاصرة التي يتعامل فيها مع  الجميع  على قدر المساواة دون تمييز او تفضيل لطرف على اخر . 

وبخصوص المصالحة فقد اكد سماحة السيد  عمار الحكيم رئيس المجلس الأعلى الاسلامي العراقي وبصريح العبارة ( ان مشروع المصالحة الوطنية يتطلب خطوات سريعة وجريئة ولابد من العمل عليه بكل جدية ) وهو يدعو الى كل امر من شانه الانتقال بالعراق الجديد من مرحلة التأزيم والتوتر الى مرحلة التعاون والتنسيق بما من شانه ان يعود بالخير على الجميع ، ولكن من الضروري في هذا المجال نبذ العنف ، وعدم اللجوء الى السلاح لفرض اشياء على الواقع العراقي الجديد بما من شانه ان يبقي الاحتقانات ولايشعر الجميع بالطمانينة ، الامر الذي يشوه التجربة  ولايجعلها تستقر ابدا طالما يشعر طرف من الاطراف بالغبن وعدم الانصاف معه ، ولانبالغ ان قلنا ان المجلس الاعلى لايحمل هم اخيه الشيعي  ان لم يكن الاخير يحمل هم اخيه السني ، ولايحمل هم اخيه العربي ان لم يكن الاخير يحمل هم اخيه الكردي ، ولايذهب المجلس الاعلى بهذا المنحى من  زاوية استمالة الاخرين لاستحصال تاييد الاخرين له بقدر مايهمه بناء التجربة العراقية الجديدة بشكل صحيح ومتوازن ، لئلا تنفجر الاحتقانات والشعور بالغبن يوما ما وبشكل غير متوقع فيحرق الاخضر واليابس وتذهب كل الجهود والتضحيات التي قدمت ادراج الرياح .. نامل ان لانصل الى هذه النتيجة المأساوية ولن نصل خاصة بعد قطع اشواط مهمة وحاسمة وبالاتجاه الصحيح .

---------------------------  

لماذا وقف المجلس الاعلى الى جانب التظاهرات في العراق ؟

ارتسمت علامات استفهام عديدة واثيرت تساؤلات بل واتهامات ، ودارت تكهنات مختلفة بخصوص حقيقة وقوف المجلس الأعلى الى جانب التظاهرات التي جرت ولاتزال تجري بصورة اخف في العراق ، الى درجة راح البعض حتى من الاصدقاء يكيل اتهامات لهذا الكيان الاصيل الذي كان ولايزال وسيبقى مع حركة الامة يقويها ويتقوى بها ، ويحرص عليها ولايهابها ، بل ويستمد مقبوليتها وشرعيتها السياسية منها ، ولم يتخلف المجلس عن حركة الامة ومواكبتها في مختلف الظروف والمراحل ، وكان حريصا جدا على تحكيم  ارادة الامة في عملية التغيير والبناء.

يخطأ من يظن ان المجلس الاعلى انطلق في موقفه المناصر للتظاهرات من منطلق كونه لم يأت بالاصوات التي كان يتأملها بالانتخابات التشريعية الاخيرة ، او يكون هدفه ركوب الموجة التي لاتأتي بهكذا اساليب مفضوحة ، وانما وجد المجلس الاعلى في هذه التظاهرات ابتداء حقا دستوريا مكفولا لكل ابناء الشعب ، كما وان التظاهرات والاعتصامات السلمية ضرورة لتعلم الديمقراطية في أصولها وممارساتها والقوانين والاعراف  التي تحكمها ، بل وتعد التظاهرات مهمة لازالة العقبات التي تعترض العملية السياسية والتي تتخذ منحى سلبيا تحتاج لتحكيم ارادة الجملاهير من اجل تعديل مساراتها نحو الاتجاه الصحيح والصائب .

ومن الضروري بمكان عند التطرق لمسألة التظاهرات ان نحذر من محاولات البعض الذين يتربصون بالشعب الدوائر ، ويعملون بكل خبث وانتهازية على دق إسفين التشتت والتناحر بين أبناء الشعب الواحد على امل لخبطة عمليته السياسية برمتها وليس تعديل بعض مساراتها الخاطئة والمعوجة والتي هي تحميل من جهات خارجية اكثر من كونها اشكالات نابعة من رحم العراق الجديد .

إننا نتوخى دوما الخير من ابناء الشعب العراقي الذين تحملوا نكبات كثيرة بسبب خياره لصالح الديمقراطية واستتبابها في ارض العراق الذي لم يعرف طعم الحرية  و الديمقراطية الا في  فترات وجيزة ومتباعدة ، وهو ان تحمل الخسائر الكبيرة  في الأرواح فمن اجل تطلعه الاكيد نحو الديمقراطية .

واخيرا وليس آخرا اننا بحاجة الى  الشعب لقول كلمة الفصل ازاء تعقيدات العملية السياسية التي تزداد باضطراد ولاتقل ، وربما ستقود  الامور الى مسارات اكثر صعوبة من الآن ، وعليه فان الارادة  الجماهيرية من الضروري تفعيلها وتحكيمها لاصلاح المعوقات المفصلية والجوهرية للعملية السياسية التي لاينبغي نسفها  من الوجود كما يحلو للبعض ان يوجه مسارات الاحداث اليها ، ودفعها باتجاه حرق كل ماتم بناءه ، بل ومراهنة  بعض اصحاب الافكار والنوايا الشريرة على تمزيق الشعب  واعادة بث الفرقة في اوساط اطيافه المختلفة ، ولكن هذا لن يحدث على المدى المنظور على الاقل ، خاصة بعد ان لمس الجميع حقيقة وضرورة التعايش بين ابناء الرافدين وتعزيز الارادة الجماعية لديهم ، وبهذه الحالة ستبقى مقومات الدولة العراقية التي اعيد بناءها بعد عام  2003  قوية وراسخة ، وتبقى النتائج لصالح الشعب سواء بقيت الحكومة الحالية او تغيرت ، رغم ان مانأمله هو استمرارها للوصول اسرع وباقل الامكانات والتضحيات نحو الغايات المنشودة .

-----------------  

المجلس الاعلى والدعوة الى حكومة الاغلبية السياسية 

انطلاقا من حالة الخوف التي تتملك مختلف مكونات وشرائح المجتمع العراقي ، من خائف من المستقبل الى خائف من الماضي الى خائف من الماضي والمستقبل ، تم تأسيس المشروع السياسي الديمقراطي العراقي على قواعد غير سليمة ولاتتناسب مع طبيعة الارض العراقية الرخوة التي لاتحتمل البناءات الضخمة ، ومن الصعب استنبات وضع مستقر فيها على مختلف الاصعدة ، وذلك لعدم تجانس النسيج المجتمعي العراقي ، واتخاذ مكوناته طابعا اشكاليا جعلها تتمايز وتبتعد فيما بينها حتى جغرافيا ، الامر الذي حول العراق الى ارض وليس وطن للجميع ، وجعل هذا البلد لايعرف معنى الاستقرار التام على مر العصور ، حتى سماه الباحث العراقي الشهير علي الوردي بارض الصراعات الدائمة وذلك في كتابه دراسة حول طبيعة المجتمع العراقي .

هذا الواقع الصعب الذي كان ولايزال يعيشها العراق ، ويتكرس اكثر نتيجة تدخلات محيطه الاقليمي والدولي دفع الاطراف الممثلة للمكونات الاساسية للشعب العراقي الى تبني الحلول الاصعب والمقيدة كثيرا لمختلف السلطات المنبثقة عن النظام السياسي الذي تم تبنيه للدولة العراقية الجديدة ، كاختيار النظام البرلماني وليس الرئاسي المقيد ، ووضع دستور فيدرالي اتحادي استغله البعض لفرض واقع اشد تعقيدا من السابق وتتجاوز الحدود المعروفة للفيدرالية ، وتم ايضا الحاق الوضع العراقي وتقييده بأعراف سياسية غير منصوص عليها في الدستور كتوزيع المناصب الرئاسية الثلاثة ( رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان ورئيس مجلس الوزراء وكذلك نوابهم ) على المكونات الرئيسية للمجتمع العراقي .

واستتباعا لهذه الخطوات المعرقلة للمشروع الديمقراطي الذي أدخل العراق في دهاليز مظلمة وجعله ينزف باستمرار نتيجة لحالة اللااستقرار على جميع الاصعدة، اندفع العراق الجديد الى تبني اسوء نماذج الديمقراطية واصعبها على التجسيد ، واسهلها على التفكيك والتشرذم الا وهي الديمقراطية التوافقية التي هي في الواقع تنافسية مستمرة تحول الكثير من المشكلات من ازمات حكم الى أزمات نظام وتعريض مجمل العملية السياسية للخطر ، وحولت  حكومة الوحدة الوطنية والشراكة السياسية الشاملة الى لصوصية سياسية ومالية فضلا عن حكومة عاجزة عن فعل شيء نتيجة للتقييدات المختلفة والمعرقلة ، وبدلا من التفكير بمعالجة المشكلات التي تعانيها السلطة التنفيذية ، وازالة العراقيل من امامها ، راحت بعض القوى الى طرح تقييدات اكثر على الحكومة وراحت  اخرى الى ابتداع مراكز قوى جديدة في السلطة درءا للاستبداد والدكتاتورية حسب زعمها .

في قبال هذه التعقيدات التي تكتنف المشهد  العراقي ، و النتائج غير المرضية التي اسفرت عن العملية السياسية ، وللخروج من الشرنقة التي يعيش العراق في داخلها تتقوى الاصوات الداعية الى اعتماد الاغلبية السياسية والشاملة لمختلف المكونات العراقية بديلا لامناص عنه لوضع حد للتدهور الحاصل على مختلف الصعد .

بيد ان بعض القوى السياسية لايروق لها هذا اللون من الديمقراطية حتى وان كانت شاملة لكل مكونات الشعب العراقي ، وذلك بدعوى ان الغالبية السياسية العراقية هي غالبية طائفية في اغلب الاحيان وليست غالبية سياسية بحتة ، الا اذا تم تشكيلها من قبل الاخرين كالكرد اوالسنة  ، حيث عند ذاك لايمكن نعتها بالطائفية ودكتاتورية الاثنيات الكبيرة .

المهم ان الديمقراطية المطلقة او ديمقراطية الاغلبية بحاجة الى سلسلة اتفاقات مسبقة او تهيئة الاجواء المناسبة لقبولها ، وليس من السهل تمريرها مع وجود اصطفافات دينية وقومية ومذهبية ، وكذلك وجود اطراف اقليمية ودولية داعمة لاستمرار هذه التعقيدات مع فرض اعراف سياسية غير منصوص عليها في الدستور ، وذلك لاهداف شتى ، منها تمرير الحلول التي ترتأيها بعد سلسلة طويلة من الاخفاقات والعجز عن اقرار الاستقرار في الوضع العراقي المشوب بتعقيد خاص ، وتهيئة الارضية اللازمة للحلول التي تروم تكريسها في الواقع العراقي حتى ولو اقتضى الامر سنوات عديدة اخرى .

------------------------   

نشر بواسطة: admin     ::     1502282403