المجلس الاعلى والروحانية السياسية .. عبد الجبار كريم       المجلس الاعلى الى اين من هنا ؟ .. عبد الجبار كريم       حصيلة المجلس الاعلى بعد ثلاثة عقود ونيف من تأسيسه .. عبد الجبار كريم       نقطة التمايز بين ايران والمجلس الاعلي       المثقف والانتماء ..       نحن والعالم الافتراضي ..       لماذا اخترت المجلس الاعلى ؟ .. عبد الجبار كريم       المجلس الاعلى وتيار الحكمة تنوع في الدور ووحدة في الهدف .. عبد الجبار كريم       الجبهة الفيلية تنعى رحيل الطالباني       بين منهج الفرح ومنهج الحزن عراقيا .. عبد الجبار كريم       
 
المجلس الاعلى الاسلامي العراقي .. قراءة ناقدة .. عبد الجبار كريم - ٤ -

المجلس الاعلى .. اعادة تقييم 

في الوقت الذي يبدو ان قيادة المجلس الاعلى مصممة على مواصلة مشروع المراجعة والتطوير وبطريقة اكاديمية ومهنية املين ان يتكلل بالنجاح التام ، حيث ان المجلس يمثل نبتة صالحة تستحق ان تعيش وتستمر خاصة مع العطاءات الكبيرة التي قدمها على صعيد العراق كله بل وعلى صعيد الفكر السياسي الاسلامي ايضا ، ولكن من الضروري ان نسجل بعض الملاحظات الناقدة على مسيرة المجلس وطبيعة اوضاعه الان ، ومن الضروري مواصلة التقييم وبشكل موضوعي باستمرار عسى ان تكون هناك فكرة بسيطة قد تحل اشكالية كبيرة ، او معلومة صغيرة للانسان العادي ولكن تكون ذات فائدة كبيرة للانسان المسؤول الذي لديه هموم أمة وليس اشخاص وحسب .

الملاحظات هي كالتالي :

1 / المجلس الاعلى يبدو عليه الان انه يفتقد لايجابيات العمل التياري مثلما يمارسه الصدريون ، حيث يتعاملون بشدة وصرامة مع افرادهم في وقت ليس لديهم التزامات مادية مع جميع العاملين معهم ، ويتبنون النزول للشارع والقيام بالاعمال الخدمية ، ولعل احد عناصر نجاح اذاعة العهد التابعة للتيار الصدري هي هذه النقطة حيث الاهتمام بالمشاكل البسيطة التي يعيشها المواطنون وعكسها على المسؤولين فضلا عن البرامج البسيطة الاخرى التي تناغي حركة الشارع العراقي ، وربما ابتعاد السيد مقتدى الصدر عن الاضواء قد ساهم بزيادة الرصيد الجماهيري للتيار ، فليس بالضرورة ان يكون تصدر النشرات الخبرية ضرورية ومفيدة للقوى السياسية دائما وانما قد يكون احيانا الابتعاد عن الاضواء هو االمهم ( مسألة الاشتياق ) .

2 / يفتقد المجلس الاعلى في الوقت نفسه لايجابيات العمل النخبوي والحزبي ، ذلك لان المجلس الذي تأسس  في ظل ظروف خاصة ونمط فكري خاص ، لم يلتفت في حركته منذ البداية الى الاهتمام بالنخب واستمالة المثقفين ، واعتمد على حركة الشارع والجمهور ، وبالتالي افتقد الى تأييد وضم العناصر المثقفة ، والى التنظيم الهرمي الحزبي ، واذا كانت هذه النقطة ماثلة في ذهن شهيد المحراب ( رض ) واستشعرها كما كان يلمح لها احيانا في زمن المعارضة ، ولكن قوته وكاريزميته القيادية قد غطت على نقطة الخلل هذه ، فضلا عن ان طبيعة مرحلة الصراع انئذ قد جعلت شهيد المحراب يركز على الزخم الجماهيري والعمل التضحوي اكثر من تركيزه على بناء النخب واحتواءهم في حركة المجلس .

3 / المجلس الاعلى قد يكون بحاجة اليوم الى غربلة واعادة تقييم لمستويات افراده ، ومن ثم انتقاء العناصر المهمة ليكونوا هم مادة اي تغيير يجرى مستقبلا ، سواء بايجاد تشكيل جديد يحل محل التشكيل الحالي وبشكل ذكي وغير محسوس ، او برفع مستوى الكفاءات التي  يمتلكها العاملون الحاليون في المجلس وانجاز المشاريع المطلوبة منهم ، دون اللجوء الى الاقصاء والتسريح الجماعي لئلا تتحول هذه العناصر الى اعداء اشد من عداء الناس العاديين .

4 /  من الضروري للمجلس الاعلى ان يفكر بتقليص النفقات وترشيدها ، واعتماد اليات جديدة للعمل كأن يركز على عناصر فاعلة وحركة نشطة في انجاز المهام المطلوبة بدلا من التركيز على الحجم الكمي الذي قد لايحظى بانتاجية عالية ، فضلا عن استهلاكه الكبير للامكانات المادية ، علما ان حضارات كبيرة انهارت في التاريخ بسبب نفقاتها الكبيرة التي كانت تتجاوز حجم امكاناتها ومداخيلها .

5 / وكنقطة اخيرة اقول ان مااخشاه في برامج ادارة الازمات ومعالجة واقع يكتنفه بعض الصعوبات والسلبيات ان يكون مشروع حل الازمة سببا في تفجيرها ، ويعود بضرر اكبر مما كان متوقعا ( مثال ماحدث في الاتحاد السوفياتي من خلال بيروسترويكا غورباتشوف ) ، علما ان حسابات الدخول في مشروع ما ليس كحسابات الخروج  منه ، وهذه ليست سوى اشارات على الطريق وتحذيرات بتجنب سلبيات مشاريع التغيير والتطوير التي لايمكن الاستغناء عنها وتعد ضرورة لمواكبة اخر التطورات وعدم التخلف عن حركة الامة .

---------------------------------   

هل  المجلس الاعلى قادر على استعادة رياديته ورصيده الجماهيري؟

ليس من السهل  ان يسترجع المجلس الاعلى  كل رصيده الجماهيري طالما هناك اشكاليات لاتزال  قائمة ، وممارسات جعلته يفقد بعض رصيده الشعبي ، ويمكن أن نشير هنا الى بعضها اشارة لا حصرا .

1 – المجلس الاعلى تصرف بحسن ظن ازاء الكثير من القضايا ، كان الاولى به ان لايكون هكذا ، ولاينساق الى بعض الخيارات دون تمحيص الساحة ومعرفة اتجاهات الراي العام فيها ، ظنا منه ان رصيده الجماهيري سيبقى ثابتا ، فيما هو من اشد الامور حساسية وسرعة  في التأثر بالظروف المحيطة .

2 – المجلس ربما تجاهل بعض القوانين التي تحكم  المشروع  الديمقراطي الذي قد يقبل استمرار الافكار ولكنه بالتأكيد يرفض استمرار الوجوه نفسها وتسئم تكرار الوجوه مهما كانت ذات  حظوة في وسط الامة .

3 – تبنى دور الجسر لوصول الاخرين الى قمة السلطة فصار هو الواجهة لتلقي الانتقادات المستمرة والمشجب الذي تعلق عليه الاخطاء والسلبيات ، فيما كانت الايجابيات تذهب لغيره ، في معادلة كان التصور بان من يلتزم المهام التنفيذية اسرع للسقوط  واقرب للتشوه من الذي لايتبنى مسؤوليات تنفيذية ، وبالتاكيد كانت امكانيات السلطة داعما  لمن هو على راسها ، رغم الضريبة التي دفعها ويدفعها من سمعته نتيجة للاخفاقات التي يتعرض لها وهو في قمة السلطة .

4 – المجلس  لديه بعض  الالتزامات الاخلاقية التي تفرض عليه نوعا من السلوك يجعله يدفع ضريبتها من مصالحه السياسية ومن جماهيريته ، في  حين ان السياسة لغة مصالح ، وان القيم والمبادئ يقصر أمد البقاء في السلطة ، وحتى الان فان المجلس لايستطيع ان يفصل حساباته عن الحكومة ، وينأى بنفسه عن أخطاءها ، فيما تواصل الكتل السياسية الاخرى الاستفادة من حصتها في الحكومة وتدعي في الوقت نفسه انها معارضة لها ، تمهيدا لتكريس دورها السياسي في الانتخابات  المقبلة ، واظهار نفسها بانها كانت من اشد المعارضين لحكومة المالكي ، بينما المجلس  الاعلى في ضمير عامة الناس لايختلف عن حزب الدعوة فكلاهما من اتجاه واحد ومشرب واحد   حتى وان اختلفا في بعض التفاصيل ، وبالتالي فان عامة الجماهير لاتفصل بين هكذا كيانات بما فيها التيار الصدري ، والتي تمثل من وجهة نظرالجماهير العراقية  بانها تنطلق من ينبوع واحد  ، وذات طعم ولون مشترك وان اختلفا في بعض التفاصيل الجزئية . 

السؤال المطروح الان هو هل ان المجلس الاعلى قادر على ان يسترجع ولو بعض رصيده الجماهيري الذي فقده ، وكيف  السبيل الى ذلك ؟

يعمل المجلس الاعلى ويتحرك على عدة اصعدة لاستعادة دوره المفقود ، وجماهيريته التي لاتركن عند  قوة  ما ، و انما تبقى في حالة تغيير مستمرة ، والبارع هو من يتمكن ان يكون في الصدارة دوما ، ويستجيب  لمطالب الجمهور ، ولايتخلف عن الركب ، ومن هنا نرى ان المجلس  الاعلى  تبنى عدة خطوات باتجاه تصحيح المسار وبناء الذات بناء محكما لايتزعزع امام بعض العواصف حتى ولو كانت قوية ، وان خسارة جولة او جولتين انتخابيين لايعني فشل  الى النهاية ، ومن بين الخطوات المتخذة  اعادة تنظيم المجلس على اسس تنظيمية  قويمة اكثر من السابق ، ووضع حد للصعود على اكتافه ، وفصل  بعض حساباته عن  حسابات بعض رفاق الدرب ، لكي لاينهار  مع انهيار الآخرين ، ومن الضروري ان يكون هناك تكاملية وتنوع في الدور ووحدة في المصير والهدف المشترك حتى ولو جاء على حساب بعض الاشخاص . 

الاشكاليات التي لاتزال قائمة 

من بين تلك الاشكاليات والتساؤلات المطروحة :

- هل ان المجلس الاعلى يمثل تيارا دينيا  ام سياسيا ، وهل  يريد ان يعمل للدين ام للسياسة ، خصوصا وان هناك تقاطعات كثيرة بين مهام هذا وذاك .

- ماذا يريد المجلس بالتحديد ، خاصة وان الجماهير تكره الاجوبة الرمادية التي هي لغة المثقفين ، ولاتريد الجواب ب (  لعم ) بين لا ونعم .

- السيد عمار الحكيم رغم قياديته الرائعة وسجاياه الاخلاقية الطيبة ، ولكن ماذا يمكن ان يكرس في الواقع بهذه الرمزية في واقع بات ينفض ثوبه من الالتزام بالرموز ؟ ومن الضروري ان تكون هناك شخصيات تحظى بوزنها في الساحة الى جانبه .

- من الضروري ان يتبنى المجلس محور او محورين في مطاليبه وعدم الاكثار من الطروحات  والافكار التي لايجمعها جامع كما الداعي الان مبتلى به ، الامر الذي قد يجعل الجماهير لاتركز على  الاهداف الرئيسية وبالتالي  تتشتت في مواقفها ومطاليبها ، ولاتستطيع ان  تتلقى الرسالة جيدا او ان  توصل رسالتها بوضوح .

- هل ان المجلس الاعلى يمثل صورة المثال الذي تطمح له  الجماهير لتكريسها في الواقع  السياسي ؟ وكم هو عملي وواقعي في برامجه ، خاصة وان الجماهير العراقية باتت تريد نتائج ملموسة على الارض ، وليست خطابات وعظية وارشادية . 

تساؤلات على الصعيد التنظيمي 

- هل الغاية من وراء العمل التنظيمي ان نقوم باملاء الاستمارات والاوراق المعدة سلفا لهذه الغاية ، ام ان اللازم تكثيف العمل وتنظيمه ، لمعرفة مدى التزام الناس ببرامج المجلس وافكاره .

- الملاحظ ان المجلس الاعلى لايتوخى التنظيم على صعيد النخب المثقفة وحسب بل يسعى من وراء هذا البرنامج تعبئة الجماهير او اشبه مايكو ن باخذ البيعة من العراقيين لصالحه ، ولكي يعرف حجمه وقدراته على الصعيد التنظيمي .

- التنظيم الذي يريده المجلس في الزمن الصعب والزمن النكد ليس تنظيما نخبويا بقدر ماهو تنظيم للجماهير والاستفادة منها كأصوات انتخابية .

- اهتمام المجلس الاعلى بترتيب وضعه الخاص لكي لايذهب طي النسيان وان جاء العمل به متأخرا او في ظروف غير مناسبة ،الا انه خطوة لابد منها لمعرفة حجم انتشاره . 

- هناك خاصية امتاز بها المجلس نتمنى ان تستمر مع تركيز الاهتمام على الشأن التنظيمي ، الا وهي عدم صنمية الكيان والموقع كما هو الحال لدى التيارات والكيانات الحزبية الاخرى ، الامر الذي يفسح المجال امام  اشراك   القاعدة الجماهيرية في عملية التطوير والابداع ، وعدم الحجر عليها لكي تغلق نوافذ تفكيرها الحر .

- من الضروري لاي تنظيم يتوخى النجاح في مشروعه التنظيمي أن يمتاز بعدة خواص ومميزات ، وفي مقدمتها ان يكون ذات هيكل جذاب يشجع على الانضمام والانتماء اليه ، سواء بطبيعة العلاقات القائمة داخل التنظيم ، او بالاهداف والبرامج التي يتبناها ، أو بامكاناته المادية الجيدة .

منعطفان تاريخيان لال الحكيم 

فضلا عن الادوار المفصلية التي تبنته رجالات هذه العائلة في تاريخ العراق الحديث، ابتداء من المرجع محسن الحكيم رض الذي آل على نفسه ان يتبنى اخراج الحوزة العلمية الدينية من القمقم الذي وضعت نفسها فيه ، عندما تعهدت المرجعية بعدم ممارسة اي دورسياسي في العراق ، وبقيت ملتزمة بتعهداتها الى الايام الاخيرة من الحكم الملكي في العراق .

 تبنى الامام الحكيم مشروع تعميم الكتاب الاسلامي واقامة المزيد من المكتبات في ارجاء العراق ضمن المساجد ، وكانت لهذه الحركة الثقافية ابلغ الاثر في تاريخ العراق بعد انتقاله للعهد الجمهوري ، خاصة عندما تم تبني ايجاد بدايات ونواة للحركة الاسلامية في العراق بعد ان اخذت الاحزاب العلمانية هي التي تحاول ان تملا الفراغ في الساحة السياسية العراقية ، وما مشاركة الشهيد السعيد محمد مهدي الحكيم رض في اولى الاجتماعات التي انبثقت عنها فيما يعرف الان بحزب الدعوة الاسلامية ، الا دليلا على الوعي المتقدم في هذه العائلة الكريمة ، ومحاولة النظام البعثي النيل من عائلة المرجع الحكيم رض وتلفيق تهمة التامر ضد الشهيد محمد مهدي الحكيم الا خطوة استباقية من جانب النظام البعثي البائد لتحجيم. هذه العائلة ودورها الريادي على الساحة الاسلامية عامة والعراقية خاصة .

 وكان دخول شهيد المحراب اية الله محمد باقر الحكيم رض على الخط قد اعطى زخما كبيرا للتحرك الاسلامي المناهض للبعث الاجرامي الذي اخطأ الحساب عندما تصور انه بالحديد والنار يستطيع القضاء على كل مبادرة للنهوض بالعراق وانهاء الدكتاتورية البغيضة التي احرقت الاخضر واليابس وبشكل اعمى ظنا منها انها امسكت بالمعادلة الصحيحة في حكم العراق ، وماتصفيتها للشهيد مهدي الحكيم في السودان وثمانية عشرة من هذه العائلة الكريمة وعلى وجبتين في محاولة لثني شهيد المحراب عن مواصلة دربه الجهادي ، الا نموذجا بسيطا من خسة ودناءة البعث الصدامي في التعامل مع هذه الاسرة الكريمة التي لم يعرف عن بعضها بانهم اصحاب نشاط سياسي معين ، لكي يكون مبررا لتصفيتهم بدم بارد ، وكان الصبر والصمود الذي ابداه شهيد المحراب في هذه المواقع الصعبة حقا يستحق عليها الاشادة ، فضلا عن ان تزعمه للمجلس الاعلى قد قوى هذا الكيان السياسي العراقي ولم يتقوى به كما قد يتصور البعض ، واكبر دليل على المكانة التي كان يحظى بها شهيد المحراب في حركة الشعب العراقي تظاهرة الاستقبال التي نظمت له بعد مجيئه الى ايران اوائل الثمانينات والتي لم تشهد الساحة ابدا هكذا استقبال من قبل ومن بعد . ولعل الفضل الاكبر لشهيد المحراب رض على تطور الفكر السياسي الاسلامي ماتبناه. في اعقاب الانتفاضة الشعبانية عام 1991 حيث بادر الى تبني الحل السياسي لمعضلة العراق المعقدة ، وليس الحل الديني كما كان سابقا ، وهذا مايحتاج التوقف عنده كثيرا ، فلولا هذه الحركة الواقعية لشهيد المحراب لما تمكن الشعب العراقي بقواه السياسية المعروفة. من تولي الدور المفصلي في مرحلة مابعد النظام البائد ، وكان استقلالية القرار الذي تبناه شهيد المحراب في هذا المجال قد جعله يتحدى ولمرات منذ التسعينيات كل من يقول بتبعية سياسة المجلس الاعلى لايران ، واختلاف المسارين كان واضحا منذ تلك الايام ، ولعل في هذا النهج الذي تبناه الراحل العظيم الشهيد السعيد محمد باقر الحكيم اضافة وتطور للفكر السياسي الشيعي الاسلامي ، وله يعود بعض الفضل في. التغيير الجوهري الذي شهدته الساحة السياسية العراقية فيما بعد .

دور القائد الراحل السيد عبد العزيز الحكيم ( قده )

عرف القائد الراحل السيد عبد العزيز الحكيم طيلة مؤازرته لحركة شهيد المحراب بتجنب الاضواء الاعلامية رغم تبنيه اكبر المشاريع واهمها على صعيد القضية العراقية ، وكان يحظى بعقلية تفاوضية رائعة وبروح ابوية جعلت المجلس الاعلى يتنازل في العديد من المواقف عن بعض حقوقه الانتخابية لصالح تمشية العملية السياسية وعدم عرقلة مسارها ، لانها هي اخر الحلول التي. يعقد الشعب العراقي الامال عليها ، ودفع ضريبتها الكثير الكثير من وجوده وحياة ابناءه ، ولايزال صامدا طالما يدرك انه يسير بالاتجاه الصحيح. .

لو راجعنا بيانات التعزية التي صدرت بمناسبة رحيل السيد رض ندرك اهمية الدور الذي كان يمثله الراحل الكبير ، ففي رسالة التابين التي صدرت عن دولة رئيس الوزراء قال فيها وبوضوح : "ان رحيله في هذه الفترة الحساسة التي نمر بها يعد خسارة فادحة للعراق." اما السفير الاميركي وقائد القوات الاميركية فكانا اكثر وضوحا. في بيانهما المشترك الذي جاء فيه : "طوال حياته, اثبت سماحته شجاعة

ساهمت في بناء عراق جديد".

 لقد كان الراحل الحكيم يمتلك رؤية واضحة لطبيعة العمل الذي ينبغي انجازه للعراق ولضمان مستقبله ، في ساحة باتت بعد 2003 اصعب على الادراك لتعقيداتها الشديدة ، وبحاجة الى تنظيرات جديدة. تتناسب مع المرحلة الجديدة ، وبالتالي يكون تلمس مكانة العراق في الخارطة السياسية للمنطقة شديدة الضبابية ، ومع ذلك نجد ان القائد الحكيم قد ابدى الكثير من الحكمة في التحرك على مختلف الاصعدة المحلية والاقليمية والدولية ، وكان يكرس كل جهوده من اجل ضمان المستقبل العراقي ، والحؤول دون تعرض العراق لمطبات جديدة قد يدفع باتجاه العودة للمربع الاول والذي يمثل خطا احمر في سياسات المجلس وتحديدا في طبيعة البرامج التي كان يتبناها القائد الراحل ، مستفيدا من الكثير من تجارب التاريخ خاصة على الصعيد العراقي ، ولعل وضوح النهج عنده نابع من واقعية وعملانية ال الحكيم من جهة ، وتبيان مختلف اشكالاته وطريقة التعاطي مع مختلف هذه الاشكالات عند شهيد المحراب هو الذي جعل ويجعل المجلس الاعلى اكثر تفاؤلا بخصوص المستقبل ، فنم قرير العين ايها الراحل الخالد بعد ان اعياك مسار طويل من الجهد والجهاد الذي بذلته في هذا الطريق الوعر ، والذي اثمر وبشكل رائع والحمد لله ، وسيبقى ال الحكيم والعراقيون عموما ممن سيضخون المزيد من الدماء الجديدة في اوصال هذا الشعب الى حين ايصاله الى بر الامان ، وتاسيس دولة القانون والمؤسسات والمجتمع المدني ، الى ذلك الحين سنبقى نحتاج الى بعض الابطال كالراحل الحكيم الذي كان في حركته مثالا للتعقل والحكمة والواقعية ، فكان حكيما بحق اسما ومسمى ، شكلا ومحتوى ، فهنيئا لهكذا أب وهنيئا له لهكذا ابناء ولهكذا شعب يعرف قيمة ومكانة قادته .

-------------------

عزيز العراق سيبقى عزيزا

عزيز العراق سيبقى عزيزا .. القائد الذي لم ينس دوره في الامة ومارس مسؤولياته القيادية في اشد لحظات المرض والاستعداد للرحيل ..

وصفه عقل سياسي كبير لايجامل على حساب الحقيقة مثل هنري كيسنجر بالنموذج الذي يصلح لقيادة المشرق العربي مشيدا بدوره الريادي في قيادة العراق ..  امتازت فترة قيادته للائتلاف العراقي الموحد بالقدرة على جمع اكثر مايمكن جمعه من اطياف الشعب العراقي حول الهدف المركزي وهو خدمة العراق الذي كان يمر في اشد اللحظات حراجة من حيث التناحر الطائفي ، والاعمال الارهابية .. تبنى عدة ملفات حساسة وتحرك عليها سواء في تحديد وجهة العراق الجديد ، والافاق المستقبلية للدور العراقي ، او على صعيد اقامة بعض الجسور بين واشنطن وطهران من خلال عدة محادثات مباشرة جرت بين الجانبين بحضور العراق ، وهي كانت الاولى من نوعها منذ انتصار الثورة الايرانية عام 1979  وهي مسألة مهمة بالنسبة لعراق المستقبل .. كما تميزت فترة قيادة عزيز العراق ( قده ) بتبني استراتيجية وطنية عراقية لبناء اطار يحمي ويصون مصالح كل العراقيين بمختلف شرائحهم وقومياتهم ومذاهبهم .. ولذلك شاهدنا كيف تحول تشييع جثمانه الطاهر الى تشييع وطني وشامل لكل ارجاء العراق .. حقا انه عزيز العراق وسيبقى عزيزه .

من يعرف القائد الراحل السيد عبد العزيز الحكيم ذلك الانسان المجاهد  والعالم الورع والذي قضى كل عمره الشريف في خدمة الدين والامة ، انه انسان لايحب الاضواء الاعلامية ، ويمتاز بقدرة تفاوضية عالية ولذلك اعتمده شهيد المحراب ( قده )  لهذه الغاية ، وكان يمثله في اية  مفاوضات مهمة على صعيد العمل ومايتعلق بالشأن العراقي .

منهج عزيز العراق ( رض )

من الضروري بمكان ان نتعرف على أهم  سمات وخصوصيات المنهج لدى عزيز العراق في العمل السياسي والتحرك على الصعيد العراقي والتي هي سمات كل عائلة الحكيم تقريبا  خاصة شهيد المحراب ( قده ) وكذلك المنهج الذي يعتمده سماحة السيد عمار الحكيم .

1- الاصالة في التحرك 

من الواضح في منهج التحرك لدى ال الحكيم عموما والذي اعتمده عزيز العراق ان يكون تحركا اصيلا نابعا من قيم الدين ، ولاتتقاطع مع خط المرجعية الدينية ، وهذا ماوجدناه واضحا في مواقف وبيانات الراحل الكبير السيد عبد العزيز الحكيم ، الامر الذي جعل المجلس الاعلى الاسلامي العراقي الاقرب الى مواقف المرجعية من الكيانات الاخرى مع احترامنا وتقديرنا لكل تلك الكيانات .

    2 – الواقعية السياسية 

من الملاحظ في منهج التحرك لدى ال الحكيم بمن فيهم عزيز العراق انه يمتاز بالواقعية السياسية بمعنى استثمار الامكانات المتوفرة لخدمة الاهداف المنشودة وعدم التطرف في تبني تلك الاهداف لئلا تضيع حتى الاهداف التي كان يمكن تحقيقها على ارض الواقع ، وهذه مسألة مهمة تفتقد اليها الكثير من الكيانات السياسية وخاصة الدينية منها ، والتي قد يصعب عليها التوفيق بين المبادئ التي تحملها وطبيعة الواقع ومتطلباته ، الامر الذي يعطي خصوصية رائعة لمنهج التحرك لدى ال الحكيم بمن فيهم عزيز العراق ، حيث المزج الرائع بين الثابت المبدئي والمتغير السياسي بما لايشكل خروجا عن القيم والمبادئ الاصيلة ولايغادر متطلبات الواقع وضروراته .

   3 – الخطاب العراقي الوطني 

ومن خصوصيات المنهج ايضا تبني خطابا سياسيا عراقيا وكل مايكرس خدمة الوطن العراقي بمختلف تنوعاته واطيافه ، الامر الذي جعل المجلس الاعلى الاسلامي العراقي منذ انطلاقته وحتى اليوم بمثابة الخيمة التي تتسع للجميع وتتبنى مختلف الاطروحات والمشاريع التي تخدم العراق ككل ولاتستثني احدا من القوى التي تنشد الخدمة والعمل على صعيد بناء العراق بما يستحقه كبلد عريق يمثل مهد الحضارات البشرية ، ولديه كل الامكانات المطلوبة للنهوض مجددا ، ولكنه بحاجة الى من يستطيع تحويل تلك الامكانات المتوفرة بالقوة الى الفعل والمنجز على ارض الواقع ، ولانجافي الحقيقة اذا قلنا ان من اكبر هموم عزيز العراق ( قده ) كانت هذه المسالة وهي مسالة معقدة بالطبع وليست سهلة صياغة المعادلات التي من شانها تحقيق كل مايصب في خدمة العراق اولا واخيرا ، ومن المؤكد ان تحركات عزيز العراق على صعيد الداخل والخارج كانت تستبطن تحقيق الاسس الستراتيجية لبناء العراق الجديد وبشكل متمايز عن الماضي ، ويجعله يلتفت الى نفسه وبما يخدم مستقبل الشعب العراقي حيث الامن والتقدم والازدهار . 

وأخيرا وليس اخرا نستطيع ان نقول ا ن ال الحكيم الذي تمكن من ايجاد منعطفين في تاريخ العراق الحديث بما تمتلكه هذه العائلة الكريمة من وزن ديني وسياسي اولهما دور الامام محسن الحكيم ( رض ) في اخراج الحوزة العلمية العريقة في النجف الاشرف من العزلة المفروضة عليها وتبني مشروعا ثقافيا كبيرا في العراق ، وثانيهما ماتكلل من تغيير في العراق الذي لاشك كان لمنهج الواقعية السياسية الذي تبناه شهيد المحراب اية الله السيد محمد باقر الحكيم  ( رض )  وواصله عزيز العراق دور ملموس في احداث هذا التغيير رغم الاختلاف في طريقة تنفيذه ، ولعل ادراج اسم المجلس الاعلى في ديباجة قانون تحرير العراق دليل على ذلك ، ان كل هذا يقودنا الى اعتقاد بأ ن النهج الاصيل والمبدع لهذه العائلة الكريمة والذي كرسه عزيز العراق بكل شفافية ويواصله اليوم سماحة السيد عمار الحكيم لهو النهج الاقوم لبناء العراق الجديد ، وقد اثبتت الوقائع الماضية وستثبت اكثر في المستقبل صحة ما نقول وهو ليس رجم بالغيب بقدر ماهي قراءة لتجارب الماضي  ورؤية للمستقبل ينبغي ان نعرف من خلالها ان  ( سر المهنة ) لايزال يحتفظ به خير خلف لخير سلف .

----------------  

عمار الحكيم .. رمز وطني لكل العراقيين

ان استقبال السيد عمار الحكيم استقبال الزعماء في مختلف لقاءاته مع القادة والزعماء في المنطقة ومن قبل قطاعات واسعة من الجماهير ، واهتمام مختلف الوفود الزائرة للعراق بضرورة اللقاء بسماحته ان دل ذلك على شئ فانما يدل على اهمية الدور والمكانة التي تحظى بها هذه القيادة ، والامال والتطلعات المعقودة عليها ، ورمزيتها الوطنية على مستوى العراق ككل وليس على مستوى مذهب او طائفة دون غيرها . 

وبالطبع ليس هذا تمجيد بشخص السيد عمار الحكيم رغم الخصوصيات الرائعة التي تمتاز بها شخصيته ، وانما تعكس اهمية المؤسسة التي يعمل فيها من جهة ، واهمية تاريخ العائلة الشريفة التي ينتمي اليها وسجلها المشرف من العطاء العلمي الديني والسياسي .، واهمية الظرف المرحلي الاستثنائي الذي يمر به العراق اليوم ، وقدرة قيادة المجلس الاعلى على التعاطي الايجابي معها ، وماتشكيل الائتلاف العراقي الوطني الذي يعد اكبر ائتلاف من نوعه الا صورة اخرى لنجاح المجلس الاعلى في دوره الابوي للساحة العراقية ، ودوره المسؤول الذي ياتي احيانا حتى على حساب استحقاقه الانتخابي ومايتطلبه الامر من ذهنية مصلحية ونفعية لتكريسه في الواقع. 

ان المهام الملقاة على عاتق القيادات العراقية ليس بالامر السهل كما قد يتصور ، وذلك لشدة تعقيدات الساحة العراقية ، وماتكتنفها من صعوبات في صياغة الموقف المناسب من احداثها ، والاكثر من كل ذلك القيام بالدور المطلوب الذي يرضي الجميع ولايغيض احدا ، انها حقا معادلة ليست بالسهلة واقرب للالغاز من كونها معادلات سياسية ، حتى نستطيع ان نقول ان من يفلح بقيادة العراق ويمسك بمعادلات الحل انه قادر على حل اعقد الالغاز والمعادلات الصعبة في العالم . 

معادلة السياسة والحكم في العراق ليست معادلة سهلة التشكيل والصياغة. وبالتالي سهل التعاطي معها لاسباب طويلة لايسع المجال لبيانها في هذه العجالة ، واعقد مافيها اشكالية القيادة ودورها في هكذا ساحة التي لانبالغ ان من يقدم بعض الحلول لهكذا اشكالية وليس كل الحل لهو يستحق الثناء والتمجيد ولانبالغ اذا قلنا ان سماحة السيد رئيس المجلس الاعلى يمتلك بعض عناصر هذا الحل . 

قد يرى البعض ان من السابق لاوانه اطلاق صفة الرمزية على شخصية قيادية لاتزال في بدايات تصديها للعملية السياسية ، وانها تحتاج الى تراكم خبرات كثيرة ، ورصيد جيد من النجاحات السياسية لكي تحظى بأهلية صفة الرمز القيادي على مستوى العراق ككل ، ولكن مع ذلك فان ماابداه سماحة السيد عمار الحكيم من مواقف وقدمه من طروحات خلال الفترة الماضية التي قد يراها البعض قصيرة ، ولكنها كانت فترة كافية لاتضاح مدى عمق الرؤى والطروحات الفكرية والسياسية التي قدمها سماحته ، ومدى تفاعل القوى السياسية الداخلية والخارجية مع هذه القيادة الواعدة بالمزيد من العطاء على مستوى العراق ككل ، وحل بعض اشكالياته المعقدة ، والتي تحتاج الى خطاب وطني متميز ، والى تظافر جهود كل القادة العراقيين من اجل تقديم صورة ثابتة ودائمة للعراق الجديد ، وتجربة ديمقراطية قادرة على الدفاع عن نفسها ، امام كم هائل من الاخفاقات وعلى مديات طويلة من التاريخ . 

كان واضحا منذ بداية تصديه للعمل وعلى اعلى المستويات امتلاك سماحته كارزمية وشخصية قيادية تذكرنا بشهيد المحراب. القائد العراقي الذي جسد مثالا رائعا للشخصية القيادية سواء في زمن المعارضة او بعد ازاحة الدكتاتورية البغيضة ، ولعل ماطرحه السيد عمار الحكيم في جولاته الاخيرة ، ومشاريعه على صعيد تحديث مؤسسات تيار شهيد المحراب ، وكذلك مواقفه ورؤاه بخصوص قضايا مجتمعية وسياسية وفكرية عديدة ، وصراحته المشهودة بخصوص متطلبات بناء دولة الانسان في العراق تؤكد بما لايدع مجالا للشك متانة الارضية المعرفية والسياسية التي يرتكز عليها السيد عمار الحكيم ، يضاف اليها الصفات القيادية التي تجتمع في شخصيته والتي قلما تجتمع لدى الكثير من الناس .

------------------------    

نشر بواسطة: admin     ::     1502282264